الشيخ محمد رشيد رضا
349
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
يقول « اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك » أي من ميل القلب قال ) فمن تأمل الآيتين علم أن إباحة تعدد الزوجات في الاسلام امر مضيق فيه أشد التضييق كأنه ضرورة من الضرورات التي تباح لمحتاجها بشرط الثقة بإقامة العدل والأمن من الجور . وإذا تأمل المتأمل مع هذا التضييق ما يترتب على التعدد في هذا الزمان من المفاسد جزم بأنه لا يمكن لاحد ان يربى أمة فشا فيها تعدد الزوجات فان البيت الذي فيه زوجتان لزوج واحد لا تستقيم له حال ولا يقوم فيه نظام ، بل يتعاون الرجل مع زوجاته على إفساد البيت كأن كل واحد منهم عدو للآخر ثم يجئ الأولاد بعضهم لبعض عدو ، فمفسدة تعدد الزوجات تنتقل من الافراد إلى البيوت ومن البيوت إلى الأمة . قال ) كان للتعدد في صدر الاسلام فوائد أهمها صلة النسب والصهر الذي تقوى به العصبية ولم يكن له من الضرر مثل ماله الآن لأن الدين كان متمكنا في نفوس النساء والرجال وكان أذى الضرة لا يتجاوز ضرتها . أما اليوم فان الضرر ينتقل من كل ضرة إلى ولدها إلى والده إلى سائر أقاربه فهي تغرى بينهم العداوة والبغضاء : تغرى ولدها بعداوة اخوته وتغرى زوجها بهضم حقوق ولده من غيرها وهو بحماقته يطيع أحب نسائه اليه فيدب الفساد في العائلة كلها ولو شئت تفصيل الرزايا والمصائب المتولدة من تعدد الزوجات لأتيت بما تقشعر منه جلود المؤمنين فمنها السرقة والزنا والكذب والخيانة والجبن والتزوير بل منها القتل حتى قتل الولد والده والوالد ولده والزوجة زوجها والزوج زوجته كل ذلك واقع ثابت في المحاكم - وناهيك بتربية المرأة التي لا تعرف قيمة الزوج ولا قيمة الولد وهي جاهلة بنفسها وجاهلة بدينها لا تعرف منه إلا خرافات وضلالات تلقفتها من أمثالها يتبرأ منها كل كتاب منزل وكل نبي مرسل ، فلو تربى النساء تربية دينية صحيحة يكون بها الدين هو صاحب السلطان الأعلى على قلوبهن بحيث يكون هو الحاكم على الغيرة لما كان هنالك ضرر على الأمة من تعدد الزوجات وانما كان يكون ضرره قاصرا عليهن في الغالب . أما والامر على ما نرى ونسمع فلا سبيل إلى تربية الأمة مع فشو تعدد الزوجات فيها فيجب على العلماء النظر في هذه المسألة خصوصا الحنفية منهم الذين بيدهم الأمر وعلى مذهبهم